لما تطورت مجالس قراءة القرآن في مجتمعنا فلم نرى فيها من يسجد التلاوة إلا قليل، ويبدله بقراءة سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
     وأول من ذهب به علي الشبراملسي في حاشيته على النهاية، ثم نقله واتبعه من بعده من أصحابنا الشافعية. وقال الشبراملسي فيها: فإن لم يتمكن من التطهر أو من فعلها لشغل قال أربع مرات: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، قياسا على ما قاله بعضهم من سن ذلك لمن لم يتمكن من تحية المسجد لحدث أو شغل، وينبغي أن يقال مثل ذلك في سجدة الشكر أيضا.
وقال عبد الحميد الشرواني في حاشيته على التحفة نقلا عن قول الشبراملسي: فإن لم يتمكن من التطهر أو من فعلها لشغله قال أربع مرات: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، قياسا على ما قاله بعضهم من سن ذلك لمن لم يتمكن من تحية المسجد لحدث أو شغل، وينبغي أن يقال مثل ذلك في سجدة الشكر أيضا.
ونقل عنه أيضا سليمان البجيرمي في حاشيته على شرح المنهج بقوله: قال علي الشبراملسي على محمد الرملي: فإن لم يتمكن من التطهير للسجدة أو من فعلها لشغل قال أربع مرات: سبحان الله والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، قياسا على ما قاله بعضهم من سن ذلك لمن لم يتمكن من تحية المسجد لحدث أو شغل وينبغي أن يقال مثل ذلك في سجدة الشكر أيضا.
وقال محمد نووي بن عمر البنتني في نهاية الزين: فإن لم يتمكن من فعلها لشغل قال أربع مرات سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم وكذا سجدة الشكر وكذا تحية المسجد.
     وقال أحمد سلامة القليوبي في حاشيته على شرح المحلي على المنهاج بألفاظ أخرى وهي: يقوم مقام السجود للتلاوة أو الشكر ما يقوم مقام التحية لمن لم يرد فعلها، ولو متطهرا وهو سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر.
ثم اتبعه سليمان الجمل في حاشيته على شرح المنهج بقوله: يقوم مقام السجود للتلاوة والشكر ما يقوم مقام التحية لمن لم يرد فعلها ولو متطهرا وهو سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر زاد بعضهم ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم أربع مرات.
وكذلك قال السيد البكري أبو بكر بن شطا الدمياطي في الإعانة: يقوم مقام السجود للتلاوة أو الشكر ما يقوم مقام التحية لمن لم يرد فعلها ولو متطهرا، وهو سبحان الله إلخ.
     وفي عددها قال سليمان الجمل في حاشيته على شرح المنهج نقلا عن البرماوي: ولا يقال كان قياس التحية أن يقولها مرة واحدة؛ لأن هنا سجدة واحدة وفي التحية أربع؛ لأنا نقول هذه السجدة عبادة مستقلة كما أن الأربع عبادة مستقلة وإلا يلزم عليه إذا نوى التحية أكثر من ركعتين أن يزيد على أربع.
وقال البجيرمي في حاشيته على الخطيب: والظاهر أنه يأتي هنا ما مر في التحية من سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر أربع مرات. وقال: وفيه أن ركعتي التحية فيهما أربع سجدات وهذه سجدة واحدة ومقتضاه أنها تجبر بمرة. وأجيب بأنها لما كانت عبادة مستقلة جبرت بأربع مرات قياسا على التحية.
     وعند بعض الحنفية: أن يقول سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير. وهو كما قال عالم بن العلاء الإندرپتي الهندي في الفتاوى التاتار خانية: وفي الحجة: ويستحب للتالي أو السامع إذا قرأ أو سمع ولا يمكنه السجود أن يقول: سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير. وجزم بهذا الفتوى حسن بن عمار الشرنبلالي الحنفي في مراقي الفلاح ومحمد أمين بن عابدين في الرد المختار.
الجواب الأول
     وقد ذكر الشبراملسي وسائر أصحابنا المتأخرين بأنه يقاس على تحية المسجد، وقال أبو طالب المكي في قوت القلوب: وليقل من قعد في المسجد من غير صلاة ركعتين تحية المسجد: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر هذه الأربع كلمات يقولها أربع مرات فإنها عدل ركعتين في الفضل وكذلك من دخله وكان على غير وضوء أو مر في المسجد عابر طريق ومن دخل مسجداً فلا يقعد حتى يصلّي ركعتين.
واتبعه أبو حامد الغزالي في إحيائه بقوله: يكره أن يدخل المسجد على غير وضوء فإن دخل لعبور أو جلوس فليقل سُبْحَانَ اللَّهِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ وَلَا إِلَهَ إِلَّا الله والله أكبر يقولها أربع مرات يقال إنها عدل ركعتين في الفضل.
وجزم به أبو زكريا النووي في أذكاره بقوله: قال بعض أصحابنا: من دخل المسجد فلم يتمكن من صلاة تحية المسجد، إما لحدث، أو لشغل أو نحوه، يُستحبّ أن يقول أربع مرات: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، واللَّه أكبر، فقد قال به بعض السلف، وهذا لا بأس به.
وزاد ابن الرفعة في الكفاية: ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
وعلل الزبيدي في الإتحاف: وجه المناسبة أن الكلمات أربعة، فإذا قالها أربع مرات تتحصل ست عشرة مرة، وكل ركعة فيها قيام وركوع وسجدتان هؤلاء أربعة والركعة الثانية كذلك صار المجموع ثمانية وفي كل ركعة أربع تكبيرات فإذا جمعت صارت ثمانية، فالمجموع ستة عشر.
ولعل هذا يناسب بما روي بإسناد ضعيف عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إذا مررتم برياض الجنة فارتعوا. قلت: يا رسول الله وما رياض الجنة؟ قال: المساجد، قلت: وما الرتع يا رسول الله؟ قال: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر. رواه الترمذي، وقال: هذا حديث غريب.
وقال الطيبي: وتلخيص الحديث إذا مررتم بالمساجد فقولوا هذا القول.
     ورد به أحمد بن حجر الهيتمي في فتاويه حين سئل عن قوله: سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير عند ترك السجود لآية السجدة لحدث أو عجز عن السجود كما جرت به العادة عندنا هل يقوم الإتيان بها مقام السجود كما قالوا بذلك في داخل المسجد بغير وضوء أنه يقول: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر فإنها تعدل ركعتين؟ فأجاب بقوله: إن ذلك لا أصل له، فلا يقوم مقام السجدة. وقال: لأنه لم يرد فيه شيء. وقال: قال غيره (أي غير الغزالي ولعله النووي): إن ذلك روي عن بعض السلف، ومثل هذا لا حجة فيه بفرض صحته فكيف مع عدم صحته. وقال: لو صح عنه صلى الله عليه وسلم لم يكن للقياس فيه مساغ، لأن قيام لفظ مفضول مقام فعل فاضل محض فضل فإذا صح في صورة لم يجز قياس غيرها عليها في ذلك.
ونقل الشبراملسي هذا القول في حاشيته ثم صرح به: وهو يقتضي أن سبحان الله والحمد لله إلخ لا يقوم مقام السجود.
وقال أصحابنا المحققون: إذا اختلف ابن حجر ومعاصروه أو من بعده فاليرجح قوله. وقال شيخنا أحمد ميسور سندي الطرسيدي في تدريب النجباء: ترتيبهم لا يلتبس. وقال سليمان الكردي في الفوائد المدنية: وعندي لا تجوز الفتوى بما يخالف ابن حجر والرملي.
الجواب الثاني
     ودل قول الشبراملسي وغيره "إن لم يتمكن" أنه لعذر، وقول القليوبي وغيره "لمن لم يرد فعلها" للإختيار لمن شاء، فالأول يوافق ما نصه الشافعي في اختلاف الحديث، وهو يتضمن في كتابه الأم: أن سجود القرآن ليس بحتم، ولكنا نحب أن لا يترك.
وحكى الربيع عنه، أنه قال: وفي النجم سجدة، ولا أحب أن يدع شيئا من سجود القرآن، وإن تركه كرهته له.
وقال الشافعي عن السجود في خارج الصلاة: كان سنة اختيار، وأحب إلينا أن لا يدعه، ومن تركه ترك فضلا.
ونقله الروياني في البحر بقوله: أكره تركه، ومن تركه ترك فضلا.
وقال الماوردي في الحاوي: روى عن عمر الشافعي، أنه قال: فمن سجد فقد أحسن، ومن لم يسجد فلا إثم عليه.
     ولذلك حين يقرأ القرآن أو يستمعه من غير الوضوء أو التستر أن يتوضأ أو يأخذ ثيابه على الفور، وروى ذلك ابن المنذر في أوسطه وإشرافه عن ابراهيم النخعي، بأنه قال: ويتوضأ ويسجد. وقال به سفيان الثوري وإسحاق بن راهويه وأصحاب الرأي والشيخ أبو نصر من أصحابنا ثم سائر أصحابنا الشافعية
قال الشيخ أبو نصر: توضَّأَ وسجد.
وقال البغوي في تهذيبه: إذا لم يكن على الطهارة فحسن أن يتطهر.
وقال الرافعي في العزيز: لو كان القارىء والمستمع محدثا عند التلاوة فإن تطهر على القرب سجد.
وقال النووي في المجموع: فإن تطهر على قرب سجد.
وقال أيضا في الروضة: ولو كان القارئ والمستمع محدثا حال القراءة فإن تطهر على قرب سجد.
وقال زكريا الأنصاري في الروض: وإن كان محدثا فتطهر على قرب سجد.
وقال أيضا في فتح الوهاب: تطهر بعد قراءتها عن قرب فيسجد.
وقال ابن حجر الهيتمي في التحفة: فإن لم يطل أتى بها، وإن كان محدثا بأن تطهر عن قرب.
وقال الخطيب الشربيني في المغني: فإن كان القارئ أو المستمع أو السامع أو من يسجد شكرا محدثا فتطهر عن قرب سجد.
وقال الشهاب الرملي في النهاية: فإن لم يطل أتى بها، وإن كان محدثا وتطهر عن قرب.
     وهكذا أننا ننصح لأنفسنا ولكم أن لا نترك سجود التلاوة ونترك عن فضله لأنه يؤكد علينا، وهذا عند أصحابنا والمالكية والحنابلة بل قال الأحناف على وجوبه، وقال تعالى: ﴿ إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا الَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِهَا خَرُّوا سُجَّدًا وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ ﴾. السجدة: ١٥
وروي عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إذا قرأ ابن آدم السجدة فسجد، اعتزل الشيطان يبكي، يقول: يا ويله أمر ابن آدم بالسجود فسجد فله الجنة، وأمرت بالسجود فأبيت فلي النار. رواه مسلم
وروي عن ابن عمر: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقرأ القرآن، فيقرأ سورة فيها سجدة، فيسجد ونسجد معه، حتى ما يجد بعضنا موضعا لمكان جبهته. رواه مسلم