أن الإمام هو أبو بكر
بن محمد بن عبد المؤمن، ويصل نسبه إلى الحسين بن علي بن أبي طالب، ويعرف بتقي
الدين الحِصني، والحِصني نسبة إلى الحِصن وهي قرية من قرى حوران بدمشق. ولد
فيه في سنة ٧٥٢ هـ، وتفقه على يدي ابن الجابي والصرخدي وابن الشريشي والزهري وابن
مكتوم والغزي وابن غنوم، وهو أشعري عقيدتا وشافعي مذهبا، ومن مصنفاته: شرح أسماء
الله الحسنى ودفع شبه من شبّه وتمرد في العقيدة، وجملا في التفسير، وشرح صحيح مسلم
وشرح الأربعين النووية في الحديث، وشرح التنبيه وكفاية المحتاج في حل المنهاج
وكفاية الأخيار في حل غاية الاختصار في الفقه، وكتاب القواعد في أصول الفقه، وسير
السالك في أسنى المسالك وتنبيه السالك على مظان المهالك في الرقاق، وغيرهم. وقال
ابن خطيب الناصرية عن حال الإمام: الشيخ الإمام تقي الدين القدوة الرجل الصالح
العالم. وقال ابن قاضي شهبة عنه أيضا: الإمام العالم الرباني الزاهد الورع. وقال
السخاوي: الإمام العلامة الصوفي العارف بالله تعالى المنقطع إليه، زاهد دمشق في
زمانه، الأمار بالمعروف النهاء عن المنكر. وتوفي سنة تاسع وعشرين وثمنمائة ودفن
بالقبيات بقرب مسجد دمشق، وعائلته معروفة حتى الآن بدمشق وغيره.
وأن كتابه المسمى بكفاية
الأخيار في حل غاية الإختصار هو كتاب من الكتب المعتمدة في مذهب الشافعي، وقد درست
متلقيا من أوله إلى أخره على يدي شيخنا أنوار الدين بن منصور الرنجي مرتين. وقد
قال فيه في كتاب الصلاة فصل في شروط الجمعة، عند ذكر حرمة من في المسجد أن يبتدئ
صلاة والإمام على المنبر: فينبغي الإعتناء بها، ولا يغتر بفعل ضعفاء الطلبة وجهلة
المتصوفة، فإن الشيطان يتلاعب بصوفية زماننا كتلاعب الصبيان بالكرة، وأكثرهم صدهم
عن العلم مشقة الطلب فاستدرجهم الشيطان. قال السيد الجليل أبو يزيد: قعدت ثلاثين
سنة في المجاهدة فلم أر أصعب عليّ من العلم. وقال السيد الجليل أبو بكر الشبلي: إن
في الطاعة من الآفات ما يغنيكم أن تطلبوا المعاصي في غيرها. وقال السيد الجليل
ضرار بن عمرو: إن قوما تركوا العلم ومجالسة العلماء واتخذوا محاريب وصلوا وصاموا
حتى يبس جلد أحدهم على عظمه، خالفو فهلكوا، والذي لا إله غيره ما عمل عامل على جهل
إلا كان ما يفسد أكثر مما يصلح.
وقال في كتاب الزكاة في نفس الكتاب عند ذكر
الأصناف التي تُدفع إليهم الزكاة: الأراذل من المتصوّفة الذين قد اشتهر عنهم أنهم
من أهل الصلاح المنقطعين لعبادة ربّهم، قد اتخذ كل منهم زاوية أو مكاناً يُظهر فيه
نوعاً من الذكر، وقد لفَّ عليهم من له زي القوم وربّما انتمى أحدهم إلى أحد رجال
القوم كالأحمدية والقادرية، وقد كذبوا في الانتماء، فهؤلاء لا يستحقّون شيئاً من
الزكوات، ولا يحلُّ دفع الزكاة إليهم، ومَنْ دفعها إليهم لم يقع الموقع وهي باقية
في ذمّته، وأمّا بقيّة الطوائف وهم كثيرون كالقلندرية والحيدرية فهم أيضاً على
اختلاف فرقهم فيهم الحلولية والملحدة، وهم أكفر من اليهود والنصارى، فمن دفع إليهم
شيئاً من الزكوات أو من التطوعات فهو عاصٍ بذلك، ثم يلْحَقُه بذلك من الله العقوبة
إن شاء، ويجب على كل من يقدر على الإنكار أن يُنكر عليهم، وإثمهم متعلّق بالحكام
الذين جعلهم الله تعالى في مناصبهم لإظهار الحق، وقمع الباطل وإماتة ما جاء رسول
الله صلى الله عليه وسلم بإماتته والله أعلم.
وقال في كتاب الوصية: لو أوصى مسلم ببناء
بقعة لبعض المعاصي كما إذا أوصى شخص بشراء بقعة ليقام فيها سماع فقراء الرجس الذي
يتضلعون من أموال الظلمة، ويتقربون إلى اللَّه تعالى بالرقص على آله اللَّهو مع
الأحداث والنساء ويتواجدون بسبب ذلك فهذه الوصية باطلة كما لو أوصى ببناء كنيسة
حتى لو حكم بصحة ذلك نقض.
وقال في أحكام الوقف: يشترط في صحة الوقف
انتفاء المعصية لأن الوقف معروف وبرّ، والمعصية عكس ذلك فيحرم الوقف على شراء آلة
لقطع الطريق، وكذا الآلات المحرمة كسائر آلات المعاصي كما يصنعه أهل البدع من
صوفية الزوايا بأن يوقفوا آلة لهو لأجل السماع ويقولون: لا سماع إلا من تحت قناع
ولا يأتي ذلك إلا فاسد الطباع وهؤلاء قد نص القرآن على إلحادهم وليس في كفرهم
نزاع.
وقال في كتاب الأقضية عند ذكر من لا تُقبَل
شهادتهم: فلا تُقبل شهادة القمّام، وهو الذي يجمع القمامة أي الكناسة ويحملها،
وكذا القيّم في الحمّام، ومَنْ يلْعب بالحمام يعني يُطيّرها لينظر تقلّبها في
الجو، وكذا المغنّي سواء أتى الناس أو أتوه، وكذا الرّقاص كهذه الصوفيّة الذين
يسعون إلى ولائم الظلمة والمكسة ، ويُظهرون التواجد عند رقصهم، وتحريك رؤوسهم،
وتلويح لحاهم الخسيسة كصنع المجانين، وإذا قُرئ القرآن لا يستمعون له، ولا
يُنصتون، وإذا نعق مزمار الشيطان صاح بعضهم على بعض بالوسواس قاتلهم الله ما
أفسقهم وأزهدهم في كتاب الله، وأرغبَهم في مزمار الشيطان وقرن الشيطان، عافانا
الله من ذلك. انتهى