منها أبو محمد الجويني، وقال في "رسالة في إثبات الإستواء والفوقية" التي كتبها نصيحةً إلى إخوانه وشيوخه الأشعرية الشافعيين: كنت متحيرا في الأقوال المختلفة الموجودة في كتب أهل العصر في جميع ذلك من تأويل الصفات وتحريفها، أو امرارها والوقوف فيها، أو اثباتها بلا تأويل ولا تعطيل ولا تشبيه ولا تمثيل. وقال: وكنت أخاف من اطلاق القول بإثبات العلو والإستواء والنزول مخافة الحصر والتشبيه، ومع ذلك فإذا طالعت النصوص الواردة في كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم أجدها نصوصا تشير إلى حقائق هذه المعاني، وأجد الرسول صلى الله عليه وسلم قد صرح بها مخبرا عن ربه واصفا له بها. وقال بعد ذكر نصوص بإثبات الإستواء: إذا علمنا ذلك واعتقدناه تخلصناه من شبه التأويل وعماوة التعطيل وحماقة التشبيه والتمثيل، وأثبتنا علو ربنا سبحانه وفوقيته واستواءه على عرشه كما يليق بجلاله وعظمته، والحق واضح في ذلك والصدور تنشرح له.
     ومنها أبو المعالي الجويني، وذكر ابن الجوزي في المنتظم والسمعاني في ذيله على تاريخ بغداد والذهبي في سير أعلام النبلاء وتاريخ الإسلام والسبكي في طبقات الشافعية والمناوي في فيض القدير وغيرهم، أن الحافظ أبا جعفر محمد بن أبي علي بن محمد الهمذاني قال في خطه: سمعت أبا المعالي يقول: قرأت خمسين ألفا في خمسين ألفا، ثم خليت أهل الاسلام بإسلامهم فيها وعلومهم الظاهرة، وركبت البحر الخضم، وغصت في الذي نهى أهل الاسلام، كل ذلك في طلب الحق، وكنت أهرب في سالف الدهر من التقليد، والآن فقد رجعت إلى كلمة الحق، عليكم بدين العجائز، فإن لم يدركني الحق بلطيف بره، فأموت على دين العجائز، ويختم عاقبة أمري عند الرحيل على كلمة الاخلاص: لا إله إلا الله، فالويل لابن الجويني.
     وحكى أبو زرعة والحافظ أبو العلاء الأصبهاني وغيرهما عن الحافظ محمد بن طاهر عن أبي الحسن القيرواني، قال: سمعت أبا المعالي اليوم يقول: يا أصحابنا، لا تشتغلوا بالكلام، فلو عرفت أن الكلام يبلغ بي ما بلغ ما اشتغلت به.
     وحكى الذهبي عن يحيى بن أبي منصور وغيره عن الحافظ عبد القادر الرهاوي عن الحافظ أبي العلاء الهمذاني عن الحافظ أبي جعفر الهمذاني قال: سمعت أبا المعالي الجويني، وقد سئل عن قوله تعالى: " الرحمن على العرش استوى " فقال: كان الله ولا عرش. وجعل يتخبط في الكلام، فقلت: قد علمنا ما أشرت عليه، فهل للضرورات من حيلة؟ فقال: ما تريد بهذا القول وما تعني بهذه الإشارات؟ فقلت: ما قال عارف قط يا رباه، إلا قبل أن يتحرك لسانه قام من باطنه قصد، لا يلتفت يمنة ولا يسرة، يقصد الفوق. فهل لهذا القصد الضّروري عندك من حيلة، فنَّبئا نتخلَّص من الفوق والتحت؟ وبكيت، وبكى الخلق، فضرب بكمّه على السرير، وصاح بالحيرة. وخرَّق ما كان عليه، وصارت قيامة في المسجد، ونزل ولم يجبني إلا: بيا حبيبي، الحيرة الحيرة والدهشة الدهشة. فسمعت عد ذلك أصحابه يقولون: سمعناه يقول: حيرَّني الهمذاني.
     وحكى ابن الجوزي عن هبة الله بن المبارك السقطي عن محمد بن الخليل البوشنجي عن محمد بن علي الهريري وكان تلميذ أبي المعالي الجويني قال: دخلت عليه في مرضه الذي مات فيه أسنانه تتناثر من فيه ويسقط منه الدود لا يستطاع شم فيه، فقال: هذا عقوبة تعرضي بالكلام فاحذره.
     وحكى الذهبي عن أبي عبد الله الرستمي عن أبي الفتح الطبري قال: دخلت على أبي المعالي في مرضه، فقال: اشهدوا علي أني قد رجعت عن كل مقالة تخالف السنة، وأني أموت على ما يموت عليه عجائز نيسابور.
     وشكك السبكي هذه القصة، ولكن أبو المعالي قد صنف "الرسالة النظامية" في آخر أمره التي جعلها دليلا على أنه قد رجع إلى طريق السلف، وقال فيها: لمّا رأيت علماء الإسلام وهم الصحابة والتابعون منصرفين عن التأويل، وهم أعلم النّاس بالدين وأحرصهم على حفظه. ثم قال: ولو كان ذلك خيرا لكانوا أسبق إليه من غيرهم. وقال في موضع آخر منها: والذي نرتضيه رأيا وندين الله به عقلا: اتباع سلف الأمة، فالأول ( أي اجراؤها على موجب ما تبتدره ) الإتباع وترك الإبتداع، والدليل السمعي القاطع في ذلك: أن اجماع الأمة حجة متبعة وهو مستند معظم الشريعة.
وعاقبه السبكي بأن يقول ما ذكرناه: للأشاعرة قولان مشهوران في إثبات الصفات، هل تمر على ظاهرها مع اعتقاد التنزيه أو تؤول، والقول بالإمرار مع اعتقاد التنزيه هو المعزوّ إلى السلف، وهو اختيار الإمام في " الرسالة النظامية " وفي مواضع من كلامه. ثم قال: رجوع أبي المعالي معناه الرجوع عن التأويل إلى التفويض، ولا إنكار في هذا ولا مقابله فإنها مسألة اجتهادية. فهذا يناقض ما صرحه أبو المعالي في الرسالة، وفها ردا عليه، ولأنه قال في أول أمره: أن مذهب السلف أسلم ومذهب الخلف أعلم وأحكم.
     ومنها الغزالي، وذكر ابن عساكر في تاريخ دمشق والذهبي في سير أعلام النبلاء وتاريخ الإسلام واليافعي في مرآة الجنان والسبكي في طبقات الشافعية وغيرهم، أن عبد الغافر بن إسماعيل الفارسي، وهو أحد تلاميذ الغزالي، قال في تذييله على تاريخ نيسابور: وكانت خاتمه أمره إقبالَه على حديث المصطفى صلى الله عليه وسلم ومجالسةَ أهلِه ومطالعةَ الصحيحين.
وهذا مقطع من كلامه الطويلة عنه حتى قسمه المأرخون على الحزبين، ولم يردّه السبكي ولكن سأل عنه بقوله: هل ذلك من الحافظ تعصّب له، كما أن ما فعله الذهبي تعصّب له؟ قلت: يحتمل أن يكون الأمر كذلك، ويحتمل أن يكون لكونه لم ير إشاعة ذلك عن مثل هذا الإمام، مع أنه غير قادح فيه، وأما الذهبي فإنه ذكر ذلك، وضم إليه ما شاء.
     وبخلاف هذا أن الغزالي قد صنف " الجام العوام عن علم الكلام " في آخر أمره كما ذكره النووي في المجموع وابن تيمية في مجموع الفتاوى والزركشي في البرهان والبحر المحيط والشنقيطي في أضواء البيان والزركلي في الأعلام وغيرهم، وصرح النووي في مجموعه: ذكر ( أي الغزالي فيه ) أن الناس كلهم عوام في هذا الفن من الفقهاء وغيرهم، إلا الشاذ النادر الذى لا تكاد الاعصار تسمح بواحد منهم، والله أعلم. وهذا يوافق ما قاله الغزالي فيه: الخوض من جهة العوام في التأويل، والخوض بهم فيه من جهة العلماء بدعة مذمومة. وقال في موضع آخر فيه: تأويل العامي على سبيل الاشتغال بنفسه وهو حرام. وقال: ذلك من العالم مع العامي وهو أيضا ممنوع. ولا يردّه قطعا ولكن يحدده شديدا لألا يمكن أحد يدخل فيه بأن قال: و ( يحمل ) في معنى العوام: الأديب والنحوي والمحدث والمفسر والفقيه والمتكلم بل كل عالم. ثم ذكر صفة الذي يجوز أن تبحّر فيه. وهذا يخالف ما صرحه في أوله مثل في إحيائه الذي ذكر أن هذا العلم ينبغي أن يدرسه الخواص من أهل الكلام والجدال، وهو بأن قال: لا بد أن يصير القيام بهذا العلم من فروض الكفايات كالقيام بحراسة الأموال وسائر الحقوم. وقال أيضا: أن الحق أنه لا بد في كل بلد من قائم بهذ العلم مستقل يدفع شبه المبتدعة التي ثارت في تلك البلدة.
     وقال في الجام العوام: أن الحق الصريح الذي لا مراء فيه عند أهل البصائر هو مذهب السلف، أعني مذهب الصحابة والتابعين. وقال: وأن من خالفهم فهو مبتدع. وأقام أربعة أصول التى دلت على حق مذهب السلف، وهي: الأول: أن أعرف الخلق بصلاح أحوال العباد بالإضافة إلى حسن المعاد هو النبي صلى الله عليه وسلم، والثاني: أنه صلى الله عليه وسلم أفاض إلى الخلق ما أوحى إليه من صلاح العباد في معادهم ومعاشهم، وأنه ما كتم شيئا من الوحي وأخفاه وطواه عن الخلق، والثالث: أن ( السلف ) أعرف الناس بمعاني كلامه، وأحرارهم بالوقوف على كنهه ودرك أسراره، (وهم ) الذين شاهدوا الوحي والتنزيل وعاصروه وصاحبوه، بل لازموه آناء الليل والنهار متشمرين لفهم معاني كلامه، والرابع: ( و ) أنهم في طول عصرهم إلى آخر أعمارهم مادعوا الخلق إلى البحث والتفتيش والتفسير والتأويل والتعرض لمثل هذه الأمور، بل بالغوا في زجر من خاض فيه، وسأل عنه وتكلم به على ما سنحكيه عنهم، انتهى. ثم قال: فنعلم بالقطع من هذه الأصول: أن الحق ما قالوه والصواب ما رأوه.
     ومنها الفخر الرازي، وحكي بأنه ندم على دخوله في الكلام، كما قاله ابن الصلاح: أخبرني القطب الطوعاني مرتين: أنه سمع فخر الدين الرازي يقول: يا ليتني لم أشتغل بعلم الكلام وبكى.
     وذكر ابن خالكان في وفيات الأعيان وابن تيمية في درء تعارض العقل والنقل ومجموع الفتاوى ومجموعة الرسائل الكبرى وإسماعيل أبو الفداء في المختصر في أخبار البشر وابن أبي أصيبعة في عيون الأنبياء وابن الخطيب في الإحاطة والذهبي في سير أعلام النبلاء وتاريخ الإسلام وابن قيم الجوزية في اجتماع الجيوش الإسلامية والصفدي في الوافي بالوفيات واليافعي في مرآة الجنان وتاج الدين السبكي في طبقات الشافعية وابن كثير في طبقات الشافعية وابن أبي العز في شرح عقيدة الطحاوية والبهاء العاملي في الكشكول والشنقيطي في أضواء البيان والتلمساني في نفح الطيب وأبو إسحاق الشاطبي في الإفادات وغيرهم أبيات الشعر للرازي، وهي:
نهـاية إقدام العقـول عقـال # وأكثر سعي العـالمين ضـلال
وأرواحنا في وحشة من جسومنا # وحاصـل دنيـانا أذى ووبال
ولم نستفد من بحثنا طول عمرنا # سوى أنم جمعنا فيه قيل وقالـوا
ولم قد رأينا من رجال ودولـة # فبادوا جميعا مسرعين وزالـوا
وكم من جبال قد علت شرفاتها # رجال فزالـوا والجبـال جبال
     وذكر ابن أبي أصيبعة وابن تيمية في فتاويه والذهبي في سيره وتاريخه وابن كثير في البداية وابن قاضي شهبة وابن أبي العزّ والشنقيطي وغيرهم، بأنه قال: لقد اختبرت الطرق الكلامية والمناهج الفلسفية، فلم أجدها تروي غليلاً ولا تشفي عليلاً، ورأيت أصح الطرق طريقة القرآن أقرأ في التنزيه: " والله الغني وانتم الفقراء " وقوله تعالى: " ليس كمثله شيء " و " قل هو الله أحد " ، وأقرأ في الإثبات " الرحمن على العرش استوى " " يخافون ربهم من فوقهم " و " اليه يصعد الكلم الطيب " ، وأقرأ أن الكل من الله قوله " قل كل من عند الله " ثم قال: وأقول من صميم القلب من داخل الروح إني مقر بأن كل ما هو الأكمل الأفضل الأعظم الأجل فهو لك، وكل ما هو عيب ونقص فأنت منزّه عنه.
     وذكر ابن أبي أصيبعة والذهبي في تاريخه والصفدي والسبكي وابن كثير في البداية وطبقاته وابن قاضي شهبة وغيرهم وصيةً من الرازي التي أملأها قبل موته إلى تلميذه وصاحبه إبراهيم بن أبي بكر بن علي الأصبهاني، وقال فيها: أن الذي نظرته في الكتب المعتبرة أن العالم المخصوص تحت تدبير مدبر منزه عن مماثلة المتحيزات، موصوف بكمال القدرة والعلم والرحمة. ولقد اختبرت الطرق الكلامية، والمناهج الفلسفية، فما رأيت فيها فائدة تساوي الفائدة التي وجدتها في القرآن، لأنه يسعى في تسليم العظمة والجلالة لله، ويمنع عن التعمق في إيراد المعارضات والمناقضات، وما ذاك إلا للعلم بأن العقول البشرية تتلاشى في تلك المضايق العميقة، والناهج الخفية.
وقال ابن كثير: وقد ذُكرت وصيته عند موته، وأنه رجع عن مذهب الكلام فيها إلى طريقة السلف وتسليم ما ورد على الوجه المراد اللائق بجلال الله سبحانه.
ونقل ابن كثير عن الرازي بأنه قال: مَن لزم دين العجائز كان هو الفائز. ونقله أيضا العسقلاني في لسان الميزان والمناوي في فيض القدير، ودين العجائز هو اصطلاح مشهور بين العلماء الذي دل على مذهب السلف. انتهى.